16‏/05‏/2009

الورق خابزه - قانون النبلاء الأخلاقي

اننا نملك تاريخا عظيما و قومية أصيلة, نملك تراثا غنيا وفلسفة قيمة, لكننا لم نتعلم الحفاظ عليهم ولم نعطهم حق قدرهم ولانعتز بهم. كلنا يعلم أنه يجب الحفاظ على الثروة و التراث الثقافي كونه مفتاح لكل الامور الروحية والمادية للشعوب.بدراسة علم الأخلاق الشركسي التاريخي مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحاضر يمكن ايجاز بعض الأفكار و العادات التي تعبر عن جوهر ثقافة الأديغة, و تدلنا على السلوك الذي يجب أن يتمسك به كل شخص شركسي. هذه المبادئ تحمل اسم (ورق خابزه) وهي لاتعبر عن ترجمتها الحرفية, بل عن الايديولوجيا الروحية للأسلاف الأديغة, كما تعتبر اساسا للتجديد الروحاني و النفسي.

1- الوَرْق:

هو المحارب, و لكن الحرب ليست في ساحة القتال فقط, بل الحرب الأزلية ألا وهي الحياة. الصراع مع الذات, مع نقاط الضعف, ولذلك فان النصر الأكبر هو النصر على الذات و ليس في ساحة المعركة

2- احترام التاريخ:

على الاديغي أن يحترم والديه, فهو من لحمهما و دمهما, هما من منحاه الحياة. ان علاقتك بوالديك هي المؤشر الأول على تمسكك بالعادات. على الاديغي احترام كل الكبار, حتى من كان أكبر منه بعام واحد, كونه الأقرب الى الأسلاف والعادات, باحترامهم تحترم جيلك.

3- المرأة:

المرأة هي بداية الحياة, هي من يهدي الحياة للأطفال, من يربيهم على العادات, تلك هي وظيفتها. ان الرجل الذي لا يحترم المرأة لا يمكن تسميته رجلا. وكل من يشاجرها ولا يحترم لسانه أمامها يعتبر آثما.

4- الرجل:

الرجل هو رأس العائلة, هو من يؤمن احتياجات الأسرة المادية, فهو مركز العائلة و المراة حاميته ولذلك يجب احترامها.

5- الشرف:

شرفك هو مرآتك, ان الشرف لا يطلب و لا يشترى, بل هو نتاج كفاح يومي, ولكن فقدانه وارد بلحظة خطأ.سواء كنت رجلا ام امراة عليك أن تصون شرفك, من الممكن أن تضحي بحياتك من أجل الشرف, ولكن التضحية بالشرف لأجل الحياة غير مقبول اطلاقا, لان الأديغي لايمكنه العيش بشرف منتهك, فالجسد لايحيى بلا قلب.

6- الموت:

لكل شيء بداية و نهاية .... لا تبحث عن الموت ولا تهرب منه, كن لا مباليا تجاهه. ان ولادة جميع الناس متشابهة ولكن موتهم يكون مختلفا. قل وانت تواجه الموت: (لقد عشت وقورا, وسأتقن الرحيل بوقار وكل ما أطلبه من الله أن يقول الناس بعد رحيلي لقد عاش على الخابزة ومات على الخابزة وكما فرحنا بولادته فانه استحق حزننا الخالص).فكر بأولادك ونسلك الذي سوف يحمل اسمك, يجب أن ترحل بشرف كأديغي حقيقي.

7 – الهدف:

بما أنك وجدت في هذه الدنيا عليك ان لا تحولها الى حركة عشوائية, قبل أي شيء عليك أن تضع هدفا للنجاح في امور محددة أمامك, عليك أن تكون منتصرا. قم بما تريد القيام به بما يرضي نفسك ولكن دون ان يتعارض مع الخابزة. اجعل حياتك غنية و عشها بكل لحظاتها, لا تجهد نفسك ولكن استخدم أقصى امكانياتك. استخف بالمصاعب والخسارات, ان مفهوم الشكوى يتعارض مع الاديغي. عش حياتك دون اظهار الضعف, اعلم ان كل صعوبة تذللها تقوي من روحك وتدفعك للأمام. لاتكن مسكينا, انه لمن المشين أن تكون عائلتك محتاجة, من المشين أن ينظر اطفالك نظرة حسد الى اطفال الغير, حاول مضاعفة ثروتك دون ان تدع للذهب يعمي بصرك.

8- الخير والشر:

حاول ان يكون عقلك متفتحا, خاليا من الخبث والتكدير, ليكن عقلك انسيابيا لكي تفهم وتقدر الأشياء بشكلها الصحيح, لكي تفرق بين الخير والشر, بين البناء والهدم. لاتظهر فرحا زائدا ولا حزنا مبالغا فيه. كن عادلا, قويا, كن محبا للخير, ساعد في عمل الخير دون ان تنتظر طلب المساعدة.كن حنونا ورؤوفا بالصغير والضعيف, باليتيم والأرملة, أعطهم مما عندك. ميّز بين أصدقائك وأعدائك, قدّر الأصدقاء, كن مخلصا لهم, اقسم رغيفك واعط الحصة الأكبر لصديقك دون أن تدعه يلاحظ ذلك. كن أقوى وأكثر مكرا من أعدائك. لا تقم بفعل الشر, ولكن لا تسامح من يقوم به. لقد قال الأجداد: اعمل خيرا و ارمه في الماء. المحترم هو من يقوم بفعل الخير لاحترامه الخابزة, و يقوم به بدافع من ذاته ودون شهود, انه بالمحصلة أكثر الناس غنى.

9- الجسد الشركسي للروح الشركسية:

العقل هو من يوجهك, العقل أقوى من السيف, لذلك لا ترهقه بالمشروبات الروحية والمخدرات, وإلا سوف تفقد السيطرة على نفسك وستنقاد للغريزة كما الحيوانات. ان كنت تريد أن تكون كذلك فافعل, و لكن لاتقل عن نفسك أنك شركسي حتى لو كان جدك يسمى شركسيا, فهو لم يتخل عن عقله بمادة مخدرة. لا تسرف بالطعام ولا تقل أبدا انه قليل. ان بضع كلمات مديح تبديها بحق الطعام الذي وهبنا اياه الله يعتبر احتراما للمراة التي قامت بتحضيره, ان كلمة ذميمة واحدة تفسد كل شيء. تريد أن تكون ذو روح شركسية؟ ذلك يتطلب وعاء ملائما, و جسدك هو الوعاء, فبقوتك ان تهاب الأسد, عليك أن تملك الاحساس بكل قطعة من جسدك. ان الدهون والترهل في جسمك هو دليل على تهورك وضعف روحك.

10 – تقديس الجمال و التناسق:

انحن للجمال و احترمه, هذا انسجام, اسع اليه بكل ما لديك. الجمال الرباني هو جمال المراة الجمال الذي يحيط بنا هو الطبيعة الجمال الذي نخلقه بأنفسنا – هو جمال العلاقات المتبادلة بين الناس المشبعة بالمحبة وحسن النية.

11- حب الضيافة:

الفقير هو من تكون مضافته خاوية, ليس هناك أغلى من الضيف سواء كان قريبك أم مجرد عابر سبيل. بالنسبة للضيف ليس هنالك تمييز بين الأعمار, عليه أن يشعر بالدفء والامان و العاية في منزلك. أما الضيوف القادمون من بلد آخر أو من قومية أخرى فلهم اهتمام خاص, يجب أن تبقى كلمة قيبلاغ (تفضل) محفورة في قلبه, و أن يذكر دوما تلك الحفاوة والشعور الصادق الذي قابله في منزل المضيف.

12- الفضيلة والعفة:

لا تكن متغطرسا بأفعالك, لا تتفاخر بامكانياتك, لا تركض وراء مجد زائل, من يمتلك القوة و الثقة بالنفس ليس من يردد كلمة أنا بل من يحترم كلمته. لا تكن خانعا أو ذليلا ولا ماكرا حتى أمام من هم أقوى منك, كن صلبا في قناعاتك ومعتقداتك ولا تفتقد البصيرة في المواقف, ان الذهن الصافي سوف يهديك دوما الى الطريق السليم.


الأماكن المقدسة لدى الأديغه


كان الأديغه كغيرهم من شعوب المعمورة يملكون أماكن مقدسة يقيمون بالقرب منها طقوسهم المختلفة. من أكثر هذه الأماكن المقدسة كانت بعض الأنهار والغابات والأشجار العتيقة والينابيع وقبور الأبطال الشعبيين.

من أجل إقامة وتنظيم الطقوس الدينية كان يتم اختيار أشخاص لهم سمعة طيبة أو هم أحفاد لأشخاص قديسين حسب معتقدات الأديغه القدماء.

المعلومات المتوفرة اليوم عن الأماكن المقدسة لدى الأديغه هي من مؤلفات عدد كبير من الباحثين والرحالة من بينهم جان دي لوكا الذي زار القفقاس في عام 1637 وكذلك لونغفارد الذي زار المنطقة في العام 1840.

ويطلق الأديغه على الأماكن المقدسة لديهم اسم "تحه تشغ"

نشوء هذا التعبير ارتبط بالدرجة الأولى بنشاط "شبله" وبإيديولوجية الدين الجديد. فحسب الروايات كان للبرق تأثيرا كبيرا على نفسية الناس وكذلك الأماكن التي قتل فيها أشخاص بضربة برق والأماكن التي قتل فيها أبطال دفاعا عن الشعب الذي يملك القدسية في فلسفة الأديغه. وكانت الطقوس المقامة في هذه الأماكن مختلفة بإختلاف الحدث, و تقام الطقوس أملا في هطول المطر أو الشفاء من الأمراض أو إنقاذ الموسم الزراعي أو إبعاد الأعداء عن الوطن.

سنقدم عرضا لأهم الأماكن المقدسة لدى الأديغه وقصصها.

إذا كان "شبله" مقدسا لدى عموم الأديغه فإن نهر "لابه" كان مقدسا لدى قبيلة "التيمرغواي". اليجرقواي والماخوش والأدامي والحتقواي الذي يعدون فروعا من التمرغواي "الجمكوي" كان أيضا يقدسون "لابه".

التفسير الشعبي لتسمية هذا المكان والذي تلتقي فيه ثلاثة أنهار صغيرة هي لابه ولابينكا وخودز مرتبط بخصوصيات المكان الطبيعية. لكثرة نقاء المياه يمكن للإنسان أن يرى سمك الفاريل وهو يسبح في الماء. وعند الصباح الباكر يتحول لون الماء إلى فيروزي والذي يشبهه الأديغه بلون عيون القطط البرية. الأديغه كانوا يطلقون على هذه المنطقة اسم "عين القط".

سالبي تشيرجن ذو الخامسة والتسعين من قرية خودز كتب في مذكراته عن هذا المكان والذي يحمل اسم عين القط أن القطط أيضا خلقها الله, وهي تحمي محاصيلنا من القوارض. ويربط اهتمام الأديغه بهذا المكان لأسباب متعلقة بمحاصيلهم التي يعتبرونها هبة إلهية.

كانت تقام الطقوس في الخريف قبل بدء موسم الصيد وكان يرمز إلى إطعام القطط البرية وسمك الفريل من أضاحي اللحوم. كان اللحم يقطع إلى قطع صغيرة و يرمى في النهر في الأماكن الضحلة. العظام وبقايا اللحم كانت تقطع وترمى في الغابة الصغيرة كهدية للقطط البرية. بعد ذلك وعلى شرف النهر المقدس "لابه" يقوم الناس بإشعال النار والرقص حولها وكانوا يرددون الأغاني: "وه شبله, وه يرتقو, وه دجور"

داعين من أجل صيد موفق وموسم جيد.

تلال سيت (سيت كورغان)

على بعد ثلاثة كيلمترات جنوب قرية يجرقواي في جمهورية الأديغي تقع ثلاثة تلال صغيرة المعروفة باسم كورغان, وهي ثقافة دفن الموتى لدى الشعوب القديمة ومنهم الأديغه. ثلاثة تلال بجانب بعضها نسجت حولها قصص كثيرة أشهرها سنرويها لكم الآن.

عاشوا على ضفان نهري "لابه" و "بشزه" أو الكوبان. من بين النارتيين اشتهر ثلاثة أخوة من عائلة سيت.

كان اسم الأخ الأكبر باطال

والأوسط كان اسمه يبرائيل والأصغر حاليل.

وكان للأخوة أخت تصغرهم سنا وكان اسمها دَنَكوتش

كان الأخوة الثلاثة مهرة في الحدادة وتصنيع المعادن والصياغة وصناعة معدات الزراعة والأسلحة. لقد علّم هؤلاء الأخوة النارتيين الزراعة والبناء. وكانوا من أوائل المقدامين في الدفاع عن أرض النارتيين من الأعداء. وكان الشعب يحبهم لخصالهم هذه.

كان الأخوة الثلاثة يكنون حبا عظيما لأختهم الصغيرة. ولإسعادها صنعوا لها عربة من الذهب وجعلوا أحد "الينيج" يقودها بدلا من الحصان. وفي كل رحلاتهم كان الأخوة يتنقلون بهذه العربة الذهبية وبرفقة أختهم الصغيرة المدللة. ومن ناحيتها كانت الأخت الصغيرة تقدر أخوتها الكبار وتهتم بهم وهي الفتاة المشهورة بأدبها وجمالها في كل بلاد النارتيين وخارجها.

في يوم من الأيام هاجم الأعداء أرض النارتيين من الشمال الشرقي بهدف احتلال الأرض وخطف دَنَكوتش وعربتها الذهبية. علم الأخوة باقتراب الأعداء من حدود أرض النارتيين خلف نهر بشزه. وخلال ليلة واحدة اجتمعت كل قبائل الأديغه للوقوف بوجه العدو القادم من الشمال. الأخ الأكبر من عائلة سيت باطال ترأس قيادة الجيش وأصبح أخواه مساعدين له. دَنَكوتش التي اعتادت مرافقة أخوتها أرادت مشاركتهم القتال على الرغم من معارضتهم. وبالسر جمعت دَنَكوتش حاجياتها من الطعام والسلاح وغادرت للحاق بجيش النارتيين على عربتها الذهبية. عندما رأى الأخوة أختهم دَنَكوتش لم يعارضوها وتركوها تتبعهم.

في هذا الوقت كان العدو بين نهري لابا وبشزه. وعندما لاحظ العدو جيش النارتيين الكبير انقسم إلى قسمين. القسم الأكبر هاجم النارتيين من المقدمة, والقسم الآخر أغار على دَنَكوتش وقبض عليها وعلى عربتها وحاول الفرار بهما. عندما علم باطال بالأمر أعطى أوامره لأخويه لملاحقة السارقين وانقاذ دَنَكوتش. وكالبرق استعاد الأخان اختهما الصغرى واستطاعا وحدهما القضاء على القسم الثاني من جيش الأعداء. ولكن باطال قتل على يد الأعداء في معركة غير متوازنة. وسارع الأخان للثائر لأخيهما الكبير وقتلا هما أيضا في معركة غير متساوية. عندما رأت دَنَكوتش ماحل بإخوتها لبست لباس الرجال وامتطت حصان باطال ودخلت المعركة لتقود جيش النارتيين. بحلول المساء طُرد العدو من بلاد النارتيين. لكن في آخر مواجهة قتلت دَنَكوتش. وعندما علم قائد جيش الأعداء بأن قائد جيش النارتيين الشجاع إمرأة, انتحر.

رفع النارتيون جثة دَنَكوتش ونقلوها إلى مكان وقوف العربة الذهبية. أما جثث الأخوة الثلاثة فنقلت إلى مقبرة الأبطال النارتيين واحدة تلو الأخرة بصمت. بحلول الظلام قرر النارتيون البقاء في مكانهم حتى الصباح وبعدها يقرروا موعد الدفن. فجأة شاهد الناس كيف هبطت من السماء ثلاث كرات نارية كل واحدة حجمها بحجم رأس إنسان. حامت الكرات فوق جثث الأخوة الثلاثة وعند الصباح تدلت الكرات بالهواء قرب بعضها البعض على ارتفاع عدة أمتار عن الأرض. عندها قرر النارتيون أن هذه الكرات النارية هي عيون الملائكة التي حدد مكان دفن الأخوة الثلاثة واعتبارهم قديسين وأنها حددت لهم ارتفاع الكورغان أو التلة فوق القبر. وقررالناس دفن الأخوة في نفس المكان. وقاموا بدفنهم قبل غروب الشمس وبعدها اختفت الكرات النارية.

بعدها بقليل شاهد الناس كرة نارية رابعة فوق نبع مكان وقوف العربة الذهبية وفيها جثة الأخت الصغيرة. وقام النارتيون بدفنها مع العربة قرب النبع. ومنذ ذلك الوقت تحولت التلال الثلاثة والنبع إلى مكان مقدس لدى التيمرغوي يؤدون عندها طقوسهم الدينية, قسم منهم يزور هذه الأماكن حتى الآن بهدف التبارك ومن أجل هطول المطر وإبعاد الأمراض. أما النبع حيث ترقد دَنَكوتش فأطلق عليه الأديغه اسم بله شبسنه

هذا النبع موجود حتى اليوم جنوب قرية بليشه بسنه في جمهورية الأديغي.



11‏/05‏/2009

الأزمة القومية الشركسية أسبابها – أبعادها – نتائجها


بقلم : زاور شوج 

الأزمة القومية:

هي حالة الوعي الاجتماعي الذي يتغير بشكل جذري مارا في مرحلة هبوط أو انهيار مفاجأة في القوة الفعالة التي تحرك منظومة حياة الأمة: اللغة, الثقافة, الحالة السيكولوجية, الهيكل القومي (الدولة القومية), الأرض و الخصائص القومية الأخرى. هذه الأزمة تحدها مرحلة خاصة و حد معين من جملة عملية التطور التاريخي للأمة, عندما تتوقف الأمة أمام خيار مصيري بين الوجود و عدم الوجود, بين حياة هذه الأمة و فنائها.

الأزمة القومية لا تنشأ و تتطور في لحظة أو يوم أو سنة, و إنما هي حالة تطورية على فترات طويلة تمتد على مدى عدة قرون من الزمان. الأزمة القومية مثلها مثل أية ظاهرة أخرى, لها أسباب نشوء و تطور, مراحل نمو سريعة و مراحل جمود, مشكلة بذلك عصر معين من حياة الشعب أو الأمة. للأسف الشديد فان الشعب الشركسي و على مدى قرنين و نيف يمر في مرحلة مأساوية, عاصفة متوترة و مصيرية في حياته. مسألة بقاء, عصر الأزمة القومية الشركسية. 

إن الحرب الروسية-القفقاسية خلفت آثارا سلبية جدا ووضعت الشعب الشركسي و حضارته على شفة حفرة من الفناء التام. و لعلها تعتبر السبب الرئيس في نشوء الأزمة القومية التي تظهر في عدة محاور أساسية أهمها:

الأزمة الجغرافية – السكانية:

لقد فقد الشعب الشركسي في الحرب الروسية القفقاسية أكثر من مليون إنسان على مدى 100 عام, كما طرد 94 % ممن سلم إلى الإمبراطورية العثمانية, و بقي من أراضي شيركيسيا الكبرى أقل من 10 % من الأراضي التي تعتبر الأرض التاريخية منذ صدر التاريخ للشعب الشركسي. لقد انقرضت قبائل شركسية كثيرة من على بكرة أبيها مثل قبائل الماخوش, الناتخواي, الجانه و الأوبخ. وذكلك قبائل كبيرة مثل الأبزاخ الذين كان يزيد عددهم عن 400 ألف نسمة أصبحوا اليوم يعيشون في قرية صغيرة في جمهورية أديغيا لا يزيد عدد سكانها عن 3000 نسمة. و كذلك قبيلة الشابسوغ التي كانت أكبر القبائل الشركسية بعد القبردي, و تستوطن سواحل البحر الأسود القفقاسية من تامان حتى سوتشي, أصبح بناء هذه القبيلة التي كان عدد أفرادها يفوق 700 ألف نسمة يعيشون في عد قرى صغيرة مجموع سكانها لا يتجاوز 10 آلاف نسمة. 

البقية القليلة من الشعب الشركسي التي لم تتعرض للهجير القسري تم توطينها على شكل مجموعات بشرية صغيرة العدد في قرى بعيدة الواحدة عن الأخرى و محاطة بعشرات القرى القزقية التي بنيت على أنقاض القرى الشركسية المحروقة و ذلك لسهولة السيطرة عليهم. 

بعد الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917 تم انشاء هياكل إدارية, اليوم تبدو كجمهوريات ذات حكم ذاتي ضمن الاتحاد الروسي و هي جمهوريات أديغيا, قبردينا – بلقاريا, و قرشاي – تشيركيسيا. و حسب الاحصاءات التي أجريت في روسيا أواخر العام الماضي, في أديغيا يعيش 118 ألف شركسي, قبردينا – بلقاريا 520 ألف و في قرشاي – تشيركيسيا 80 ألف منهم 30 ألف من الأبازيين.

بالإضافة لهذه الجمهوريات يعيش الشركس في وطنهم الأم في مناطق أخرى كتجمعات ليست بالكبيرة و هي: على الضفاف الشرقية للبحر الأسود ( من قبيلة الشابسوغ و عددهم 8 آلاف نسمة), في إقليم ستا فروبل, منطقة مزدوك في جمهورية أوسيتيا الشمالية ( و عددهم 1000 نسمة), في إقليم كرسنودار بالقرب من مدينة أرمفير توجد ثلاثة قرى شركسية عدد سكانها لا يتجاوز 1500 نسمة من قبيلة البسلني. 

إن عملية توزيع من تبقى من الشراكسة في مناطق غير متصلة دمرت شعور الوحدة الثقافية و القومية بين أفراد الشعب, كذلك شعور الأمان و الحمية. واستمرت السياسة الروسية و من ثم السوفيتية في عملية الابادة بحق الشعب الشركسي مستخدمة أساليب مختلفة. فمثلا في منطقة القبردي تم اقتطاع حوالي 70 % من الأراضي, و كذلك في منطقة الشابسوغ حيث تم إلغاء الهيكل الإداري لشابسوغ البحر الأسود و تحويله إلى منطقة لازيروفسكايا في عام 1956 ( لازوروف اسم الجنرال الروسي الذي سميت باسمه المنطقة, هو الذي قاد حملة الابادة بحق قبيلة الشابسوغ الشركسية إبان الحرب الروسية – القفقاسية). كما تم غمر 13 قرية شركسية في منطقة البجدوغ في جمهورية أديغيا لتصبح هذه القرى قاعا لبحيرة كرسنودار المشئومة.

أزمة الدولة القومية: 

في فترة ما قبل الحرب الروسية – القفقاسية كانت شيركيسيا عبارة عن تحالف عفوي للأراضي و الإمارات و القبائل الشركسية. بعض هذه القبائل كان يتمتع بنظام حكم ديمقراطي ( الأبزاخ, الشابسوغ ), قسم الآخر من القبائل الشركسية كان يملك نظام حكم أرستقراطي ملكي ( القبردي, الحتقواي, البسلني و البجدوغ), بالإضافة إلى أنه كانت هناك ظاهرة حكم أرستقراطي ديمقراطي مشترك عند قبيلة الناتخواي بالذات. 

وبالرغم من تنوع نظام الحكم عند القبائل الشركسية إلا أنه بقيت هناك أساسيات عامة تنظم حياة المجتمع و بناءه السياسي. ضمن هذه الأساسيات كانت " الأديغه خابزه " أو القانون الأخلاقي القضائي الشركسي العام, " "الخاسه" البرلمان أو التجمع التشريعي إن صح التعبير, المحكمة القضائية " تحارؤا خاسه ". السلطة القضائية التنفيذية كانت على عاتق مجموعة من الشخصيات الخارجة حتما من المناطق ذات الحكم و النظام الأرستقراطي. 

بعد احتلال الأراضي الشركسية انتقلت كل السلطات إلى القوات القيصرية الروسية أما كل المؤسسات التي ذكرناها سابقا فقد دمرت تماما. لقد فقد الشراكسة حقهم في الدولة القومية و بالتالي حقهم في تقرير مصير الشعب و الأمة.

بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا عام 1917 تم إقامة بعض الهياكل الإدارية ذات الصلاحيات المحدودة و الإمكانيات الضعيفة. هذه الهياكل كانت مصطنعة و مصممة لتحقيق أهداف النظام الشيوعي في البلاد. هذه الهياكل أصبحت فيما بعد سلاح من أجل التسريع في محو الهوية القومية وتوسيع هوة التواصل بين أبناء الشعب الواحد. 

أزمة الوحدة القومية:

كما هو معروف إن الشراكسة يملكون تسمية عامة خاصة بهم و هي " أديغه ", و لغة واحدة " أديغابزه " و منظومة روحانية و أخلاقية " الأديغاغه و الأديغه خابزه ". وبغض النظر عن بعض الاختلافات الثقافية و اللغوية فان الشعب الشركسي شعب واحد و لكن غير متوحد. ربما أه مخلفات الحرب الروسية – القفقاسية و الثورة الشيوعية هو انشاء هياكل و تقسيمات مصطنعة, قسمت بدورها الشعب الشركسي في القوقاز إلى مجموعات قومية جديدة وهي: " أديغيتسي, كاباردينتسي و تشيركيسي ". هذه التقسيمات أصبحت في الآونة الأخير, و خاصة ضمن الجوع الاعلامي و غياب التواصل, بدأت تظهر أبناء الشعب الواحد و كأنهم شعوب مختلفة تماما لا تملك أية جذور تاريخية مشتركة. هذا إن دل على شئ فإنما يدل على مدى عمق أزمة الوحدة القومية, و مدى نجاح السياسة القومية الروسية في تعميق الشرخ و التباعد و التفرقة في صفوف الشعب الشركسي. 

أزمة اللغة:

يمكننا القول أن الهوية اللغوية الشركسية بشكلها و محتواها و غناها أصبحت غير موجودة باستثناء أوساط جيل الكبار من الشعب الشركسي. من أجل الحصول على العمل و التعليم يجب على الإنسان بشكل أو بآخر الانخراط في الحياة العملية و إثبات الذات. بالنسبة للإنسان الشركسي عليه أولا معرفة اللغة الروسية أو العربية أو التركية .... هذه شروط الواقع المحيط. إنها اللغات الرسمية المستخدمة في المدارس و المؤسسات العلمية و التجارية و الصناعية, وفي الحيات الثقافية و السياسية في المجتمعات التي يعيش فيها الشعب الشركسي في الوطن و المهجر. لذلك نرى أن الكثيرين من الشراكسة في الوطن و الغالبية المطلقة في المهجر غير قادرة على الكتابة و القراءة باللغة الشركسية. بمعنى آخر معظم الشعب الشركسي أمي فيما يتعلق بلغته. في نفس الوقت يوجد أكثر من 10 % من الشراكسة في الوطن الذين لا يعرفون بتاتا اللغة الشركسية, في حين تصل هذه النسبة في تركيا حيث يعيش القسم الأكبر من الشعب الشركسي إلى 80 %, و في سوريا إلى 60 % و في الأردن إلى 70 %. 

إن مستوى و نوعية و كمية تدريس اللغة الشركسية في المدارس و الجامعات و المعاهد في الجمهوريات الشركسية القفقاسية سئ للغاية, و يأخذ طابع العملية الشكلية لا أكثر. و نتيجة لبرامج تعليم اللغة الشركسية المعتمدة في القفقاس نجد أن القسم الأكبر من الطلبة الشباب لا يستطيعون القراءة و الكتابة بطلاقة باللغة الشركسية, التي تعتبر في جميع هذه الجمهوريات لغة رسمية حكومية. أما فيما يتعلق بشراكسة المهجر فإنهم محرومين تماما من حق تعلم اللغة الشركسية في المدارس, و يقتصر تعليمها على بعض الدورات التي تقيمها الجمعيات الشركسية في المهجر. 

المشكلة الأساسية الأخرى أمام الحفاظ على اللغة الشركسية هي الأسرة الشركسية, فنجد أنه في المهجر اليوم الغالبية العظمى من الشباب و الأطفال لا يفقهون شيئا من اللغة الشركسي, و هذا يعود إلى عدم اهتما الأهل بهذه المسألة الحساسة, و يعود أيضا بالدرجة الأولى إلى فقدان الوعي القومية في الأسرة الشركسية لأهمية الحفاظ على اللغة و العادات و التقاليد المتوارثة من آلاف السنين كسبيل وحيد في الوقت الراهن للحفاظ على هذا الشعب من الانقراض. 

الأزمة الثقافية:

إن أعراض هذه الأزمة واضحة تماما في كل أوجه الحياة الثقافية. في السابق كانت الثقافة الشركسية تملك طابعها الخاص و الذي ترك أثرا كبيرا في قلوب الكثير من الأجانب الذين احتكوا بثقافة الشعب الشركسي, و غدا مثالا حيا و حضاريا لكثير من الشعوب المجاورة. الوضع الحالي للثقافة الشركسية سئ للغاية, فقد فقدت جماليتها و حيويتها و تمازجها في الطبائع, الوسط, اللباس و التصرفات, في الموسيقا و الرقص والفنون الأخرى. لقد تغيرت إلى الأسوأ ملامح الشخصية الشركسية. لقد هبط الحس الذوقي و هذا واضح من خلال انعكاسه على الفنون و الإبداع, على الأدب الشركسي الحديث, على الموسيقا, المسرح و ألخ.

و أكثر ما يلفت الانتباه هو الأزمة النفسانية – الروحانية لدى المجتمع الشركسي. إن مفاهيم الشرف, الأمانة و الرجولة تعرضت إلى تغييرات جذرية متأثرة بالظروف الحياتية. ففي البداية تحت تأثير السياسة القيصرية, ومن ثم نمط الحياة السوفيتي, و أخيرا استهلاكية المجتمعات الحالي, فان مفهوم الإنسان الشركسي في شكله الكلاسيكي المقدام المتطور مع المتغيرات, المتمتع بالرجولة و الحكمة بدأ يفقد صورته و خصائص في عصر العولمة و نظام العلاقات الاستهلاكية الذي فرض نفسه على المجتمعات المتخلفة و التي نشكل جزءا منها. 

لقد تعرض الشعب الشركسي لخسائر كبيرة, أهمها فقدان الخصوصية السيكولوجية القومية و المنظومة الأخلاقية الروحانية. عندما نتحدث عن مأساة تهجير الشراكسة يتوجب علينا الحديث عن الهجرة الداخلية الروحانية – السيكولوجية التي غيرت عقلية و نمط تفكير و فلسفة حياة الشعب الشركسي و كذلك تعامله مع الأشياء الثمينة التي تحمل المعاني المقدسة لديه. 

إن هذا المقال دعوة للحوار في سبيل البحث ن الحلول و الأساليب الحضارية التي يمكن أن تساعدنا في عملية إنقاذ و لو الشئ القليل, من أجل الحفاظ على هذا الشعب و ما ورثه عن الأجداد من فلسفة و حضارة, ومن أجل حقه في البقاء و التطور.

رأس السنة الشركسية


يحتفل الأديغة يوم 22 مارس برأس السنة الجديدة. هذا اليوم هو الوحيد على مدار العام الذي يتساوى فيه طول الليل والنهار. في هذا اليوم يبدأ الربيع, وتبدأ حياة الخصوبة دورتها الجديدة. بالنسبة للشعب الشركسي الذي ارتبطت حياته بالأرض والطبيعة هو يوم عظيم وأساسي, لذلك منذ صدر التاريخ وقبل 6218 عاما بدأ الأديغه القدماء بالاحتفال بهذا اليوم كبداية للسنة الجديدة. 

قدوم السنة الشركسية الجديدة يرمز لدى الأديغه إلى انتصار قوى الخير على القوى الشريرة. لرأس السنة الشركسية طقوسها الخاصة, فلابد من تقديم الأضاحي التي يجب أن تكون عبارة إما عن دجاجة سوداء أو خروف أسود أو كبش اسود. واللون الأسود هنا يرمز إلى السواد والظلمة والشر. بهذا الشكل يعلن الأديغة انتصارقوى الخير على قوى الشر. 

تبدأ طقوس رأس السنة الشركسية بالجوغ ومن ثم غناء النشيد الخاص بالسنة الجديدة... 

ИлъэсыщIэ хъуэхъу:

Уэ ди Тхьэ, Тхьэшхуэ! 
Уэ ди Тхьэ закъуэ!
Уафэри щIылъэри зезыгъакIуэ
Тыгъэшхуэр къызыбгъэдэкI.
ЩымыIэр хэзыгъахъуэу
Телъыджэр зи Iэужь.
Псори зыщыгугъуу
Зыми щымыгугъыж,
Къэхъури зэлъэIуу
Зыми емылъэIуж ди Тхьэ,
Зы Тхьэ, 
Тхьэшхуэ!
Хъуэхъур дибэу, дыбагъуэу,
Губгъуэу диIэр бэвылъэу,
Лъэуджыджэ тхэмыту,
Iей тхэтыныр ди жагъуэу,
Ди жагъуэгъухэр зэгуэпу,
Ди япэ идгъэщ щымыIэу,
Ди фIыгъуэр здэдгуэшу,
Гукъеяуэр здэтшэчу.
ДищI бэвылъэр темыкIыу,
Ди пщащэхэр щIыкIафIэу,
Ди щIалэфIхэр лIы хахуэу,
Ди Iуэху дэна ямыщIу,
«Iуэху щIэн» жаIэм къэжану,
Пэрытыныр и хьэлу,
ХьэгъуэлIыгъуэр яублэу,
Бланэм хуэдэу къарууфIэу,
МафIэм хуэдэу къэмыскIэу,
Ди щIэблэр ефIакIуэу,
Ди нэхъыжьхэр тхуэузыншэу,
Iэнэм щысым тхьэмадэфIу,
Хасэм хэтым гуащIафIэу.
ФIыгъуэ дыщымыщIэу,
ЩIэм дигъэгуфIэу,
ХъугъуэфIыгъуэхэр ди бащэу – 
ИлъэсыщIэр етхьэкIыну
Тхьэшхуэу дыкъэзыгъэщIам жиIэ!

يلي ذلك مجموعة من الطقوس الأساسية وهي حسب التسلسل: 

تقوم إحدى النساء بإشعال دهنة الخروف أو أي نوع من أنواع الدهون الحيوانية الأخرى وينتج عنه رائحة خاصة اسمها جارمه

хъуэхъу:

Мы жьэрымэр
Адыгэ унагъуэхэм,
Адыгэ жилагъуэхэм,
Адыгэ Хэкум имыкIыу;
Ху жилэрэ МафIэ жылэрэ кIуэдыжыху
Лъэпкъ узыншэу мы щIыгум дызэхэзекIуэну
Тхьэшхуэу дыкъэзыгъэщIам жиIэ! 

تقوم إحدى النساء التي تحظى باحترام كبير بوضع ثلاث فطائر دائرية الشكل محشية بالجبن الشركسية فوق بعضها البعض واسمها حالدجي. ويرافق هذا الطقس غناء الأغنية التالية: 

Мы хьэлджеищыр Дыгъэм и плъыфэщ,
Дыгъэм и нэзырэ и бзийрэ псоми къалъысыну
Тхьэшхуэу дыкъэзыгъэщIам жиIэ! 

من القدر الذي جمع فيه الدهن الذائب يتم إشعال شعلة السنة الجديدة, يرافق هذا الطقس الدعاء التالي: 

Ди Тхьэ, Тхьэшхуэ!
Ди Тхьэ закъуэ!
Нобэ гъэрэ щIырэ зыхокI
Нобэ ИлъэсыщIэ дытохьэ.
Дыгъэм и хуабэрэ и нэхурэ
Нэхъ щIагъэхуэбжауэ къитыну
Тхьэшхуэу дыкъэзыгъэщIам жиIэ!

احتفال رأس السنة الشركسية يختتم بجوغو كبير تكون آخر رقصاته رقصة الوج والمعروفة برقصة الربيع. على مدى الأيام الثلاثة التي تلي رأس السنة الشركسية يتابع الأديغه احتفالاتهم بزيارة بعضهم البعض وتبادل التهنئة.

الملحمة الشعرية التاريخية " بشناله عن الحتيت "


 الملحمة الشعرية التاريخية " بشناله عن الحتيت " تعتبر واحدة من أقدم النتاجات الشعرية الغنائية , البطولية التاريخية عند الشعب الشركسي. و تدور فيها أحداث تاريخية حقيقية جرت قبل أكثر من 36 قرنا من الزمان, و تتحدث عن الحتيت أو (بروحتيت) الذين كانوا يعيشون في المناطق الشمالية و الوسطى من الإمبراطورية الحاثية.

افتتاحية الملحمة تتحدث عن العلاقة العرقية و القربى بين الشركس و الحتيت, حيث تبدأ بالأبيات التالية:

 

الحتيت أجدادنا

من الشعوب القديمة

و التي تحدث الأخبار القديمة


 

  في الواقع تنتشر بين الشراكسة الكثير من القصص التي تتحدث عن هجرة مجموعة كبيرة من الناس في الزمن القديم قادمة من الإمبراطورية الحاثية لتسطون في القفقاس الشمالي الغربي. و يحفظ في الأرشيف الفلكلوري التابع لمعهد العلوم الانسانية في جمهورية أديغيا ثمانية تسجيلات مشابهة لهذه الملحمة بأداء مؤرخين و مغنين شعبيين مشهورين أمثل: ناوكه شوبشاخ, جاوي حاجي, ناتخوه بقوه و غيرهم. إحدى هذه المحفوظات و التي تحمل عنوان : " كيف أتى الأديغه الى القوقاز " تروي أن السبب الذي أدى إلى هجرة الحتيت إلى القوقاز كانت حادث غير مقصودة.

  فمرة و أثناء لعب الابن الأصغر للأمير "حاتشي", و عن غير قصد, قلع عين أخيه الأكبر "كورابشو", و حيث أن قانون العقوبة بالمثل كان ساري المفعول في بلاد الحاثيين آنذاك, وبمحاولة منه لتجنب مثل هذه العقوبة, هرب حاتشي واختبأ بعيدا عن الأنظار, وبعد مرور بعض الوقت, قام مع مجموعة من مؤيديه بالانتقال بواسطة القوارب ( في رواية أخرى بواسطة السفن اليونانية) قاطعين البحر الأسود لينزلوا السواحل الشركسية بالقرب من مدينة " أنابا " الحالية.

  هجرة هذه المجموعة تحديدا إلى القوقاز الشركسي تدل على القرب التي تربط سكان المنطقة بالقبائل الحاثية. و تجدر الإشارة إلى أنه في هذه الرواية ترد أسماء حاثية بحتة, على سبيل المثال: أسماء الأخوة "كورابشو" و "حاتشي", و كذلك اسم مؤنث علم "خاربز" و الذي كان ما يزال منتشرا في الوسط الشركسي إلى فترة قريبة.

  إن ملحمة " بشنالة عن الحتيت " تشهد بلغة جذابة عن المعرفة العميقة لمؤلفيها بتاريخ و ثقافة و نمط حياة أجدادهم. لقد حدثونا بفخر كبير عن الأعمال البطولية و الإنجازات التقنية للحاثيين, و نقلوا لنا كيف كانت الإمبراطورية الحاثية قوة عظمى:

 

إمبراطورية الحاثيين الكبيرة

كانت واقعة وراء البحر الكبير

بكل مجد كانت تمتد حدودها

أوصلها الحاثون إلى مصر.


 

  هذه الملحمة تتحدث عن أنه عندما وقف الفرعون المصري " رمسيس " أمام امتداد حدود الإمبراطورية الحاثية, أبدى الحاثون آنذاك وحدة قوية, و رجولة فائقة و قدرة على الصراع. و يجدر الذكر بأن الحاثيين كانوا يتقنون فن استخدام العربات الحربية التي كانت تهز الأرض تحت أقدام العداء.

  و الملفت للنظر أن كل هذه الأحداث أكدتها الدراسات التاريخية, فبتحليله للفن الحربي عند الحاثيين ألقى المؤرخ السلوفاكي " زاماكوفسكي ", الضوء على الأهمية الكبيرة للعربات الحربية. كتب يقول: " إن التفوق النوعي و الكمي للعربات الحربية الحاثية قوت الروح القتالية لطواقمها, وكما نعلم فان الحالة المعنوية للقوات تعتبر إحدى أهم العوامل الأساسية التي تحدد نتيجة المعركة. لقد كانت العربات تخترق عمق جيش الأعداء مستخدمة عنصر المفاجأة, مهاجمه إياه من الخلف ".

  وقد ثبت تاريخيا أيضا ماورد في هذه الملحمة عن عقد اتفاق سلام بين الفرعون المصري "رمسيس الثاني" و القيصر الحاثي "حتشوليم الثالث". و قد كتب الباحث "روبنيشتين" حول تاريخ الدولة الحاثية يقول: " في عام 1296 قبل الميلاد وصلت إلى مصر بعثة حاثية حاملة لوحة من الفضة محفور عليها 18 بندا من المعاهدة السلمية بين القائد الحاثي العظيم "حاتشوليم الثالث" و حاكم مصر العظيم و المتألق "رمزيس الثاني". تعاهد القيصران على الثقة و الأمانة, ووعدا بتقديم المساعدة العسكرية و غير العسكرية و عدم الاعتداء".

  اللوحة الفضية لم يحافظ عليها, و لكن نسخة عن المعاهدة مكتوبة بالهيروغليفية على حائط معبد الكرنك في مصر, و أيضا على عدة ألواح فخارية واحدة منها موجودة في متحف الارميتاج في مدينة سانت – بطرسبورغ.

  في هذه الملحمة تأكيد على جدية الحاثيين في تثبيت و تقوية هذه المعاهدة, حيث قام الملك الحاثي بتزويج ابنته إلى الفرعون رمسيس الثاني. مكان عقد المعاهدة يسميه الشراكسة " باله ستين " و ترجمتها الحرفية " إعطاء وعد ". و إحدى الفرضيات تقول أن تسمية فلسطين جاءت من الكلمة الشركسية " باله ستين " و خاصة أن توقيع المعاهدة تم بالقرب من مدينة الناصرة في فلسطين.

  إن ملحمة " بشنالة عن الحتيت " تعتبر مصدر تاريخي موثوق يحمل في مضمونه وقائع و تفصيلات يمكن أن تكون معروفة لمعاصريها فقط, لذلك يمكننا القول أن هذه الملحمة ولدت بعد عام 1296 ق. م.

  إن المعركة التي جرت في منطقة قاديش عام 1296 ق. م وجدت مكانها في الأغاني الشركسية و هي تظهر في الكلمات الأولى من هذه الأغاني " نارين " و ترافق الأغاني و الملاحم الشركسية ترنيمات و هي ريدادا و نارين. اذا كانت ريدادا على حد علمنا قد عاش متأخرا كثيرا عن الأحداث الواردة في ملحمة " بشنالة عن الحتيت " في القرن الحادي عشر الميلادي, فانه و قبل 3 آلاف سنة و أثناء معلركة الفراعنة مع الحاثيين في قاديش قرب نهر أورونت, كان يقود القوات الحاثية القائد " نارين" و الذي لقي مصرعه في هذه المعركة. إن نارين كان محبوبا لدى الحاثيين, و كان يتمتع بشعبية كبيرة, و قد أحبط مصرعه الحاثيين, و لذلك و رغبة منهم في تخليد ذكرى القائد المقدام نارين, قام الحاثون بتأليف الأغاني عنه, ومنذ ذلك الحين أصبح اسم نارين يرافق معظم الأغاني الشركسية التي يرددها الشراكسة حتى أيامنا هذه و خاصة في المهجر.

 

  شمس الدين خوت - باحث في الشؤون التاريخية في معهد العلوم الانسانية في جمهورية أديغيا,

 دكتور في العلوم اللغوية.


لغات شعوب شمال القوقاز على حافة الإنقراض


الأطلس الجديد حول اللغات المهددة بالإندثار الذي أصدرته مؤخرا منظمة اليونيسكو يظهر أن 2500 لغة من أصل 6900 تواجه خطر الإنقراض. 
اليوم 199 لغة لايتحدث بكل واحدة منها أكثر من عشرة أشخاص. منها اللغة الكاريمية في أوكرانيا التي يتحدث بها ستة أشخاص فقط, ولغة لينغيلو التي يتحدث بها أربعة أندوينيسيين.

في العام الماضي توفي في ألاسكا ماري سميث جونس آخر من يتكلم بلغة إياكسك. 
وتصنف منظمة اليونيسكو قدرة اللغة على الاستمرارية ضمن تسعة معطيات رئيسية, من بينها عدد المتحدثين باللغة, وتناقلها عبر الأجيال, وكذلك مدى تداولها في المراكز التعليمية والمدارس والأهم اهتمام المجتمع (الشعب) بتحدث اللغة. 
وتحظى اللغات المهددة بالإنقراض بترتيب من ستة درجات وهي 
مرحلة الأمان – مرحلة الخطر – اللغة في مرحلة خطر الإنقراض – اللغة في مرحلة خطر كبير – اللغة في مرحلة شبه منقرضة – اللغة انقرضت. 
في روسيا اليوم توجد حسب أطلس اليونيسكو 136 لغة في مرحة الخطر الشديد. إذا نظرنا إلى خارطة اللغات في روسيا فنجد إلى جانب 20 لغة انقرضت (منها الوبيخ, أينوسك واليوغسك) يوجد 22 لغة على حافة الإندثار التام منها لغات الأليوت وتيرسكو سامسكي والكاريل. 
29 لغة في وضع خطر كبير منها لغات الشوكوت والنيفخ. 
من بين اللغات المهددة بالإنقراض حسب اليونيسكو لغة اليهود الجبليين (التات), اللغة الشركسية بجميع لهجاتها, لغة البلقر والقرشاي, اللغة الأبخازية واللغة الأسيتينية. 
في الداغستان تواجه خطر الإندثار 26 لغة من لغات شعوب الداغستان وهي لغات القوموق (458 ألف متحدث) – الدرغين (503 ألف متحدث) – الأوار (784 ألف متحدث) – الليزغين (500 ألف متحدث) – اللاسك (153 ألف متحدث) – تابساران (128 ألف متحدث) – النغوي (90 ألف متحدث) – تساخور (25 ألف متحدث) – الأندي (23 ألف متحدث) – أمالين (12 ألف متحدث) – تسيز (15 ألف متحدث) – أغول ورتول (29 أل متحدث) – بيجيتين, تيندين, كاراتين وأخفاخ (4 ألاف متحدث) – اليهود الجبليون (3 آلاف متحدث) – غونزيب (أقل من ألفي متحدث) – إنخوكفارين (ألف متحدث) – غينوخ (548 متحدث) – خفارشين (500 متحدث) – أرتشين (524 متحدث). 
في مدارس الجمهورية تدرس اليوم 14 لغة فقط من هذه اللغات. 
عند تقييم حالة اللغة يؤخذ بعين الاعتبار تعامل الدولة والمجتمع معها. الدولة يمكنها دعم اللغة بتوسيع فرص تعليمها أو تهميشها والتسهيل لعملية انصهارها ومنعها من التداول في المجالات التعليمية. 
أطلس اليونيسكو يطرح تساؤلات كثيرة حول مستقبل اللغة الشركسية خاصة وأن من يتكم بها اليوم حسب أطلس اليونيسكو لايتجاوز 700 ألف إنسان, قسم كبير منهم لايعرف القراءة والكتابة باللغة الأم.

الأديغاغه و الأديغه خابزه – حوار مع نالبي قويقوه


لقاء أجريناه قبل سنوات مع الروائي والأديب الشركسي المعروف المرحوم نالبي قويقوة 

الأديغاغه و الأديغه خابزه – حوار مع نالبي قويقوه 


يتطرق في الآونة الأخيرة الكثيرون في أبحاثهم و كتاباتهم إلى موضوع " الأديغاغه " و " الأديغه خابزه ". ولكنه من الملاحظ أن هذه الأبحاث تمر مرور الكرام بهذين المفهومين, و لا تفي هذا الموضوع الهام حقه. فالمسألة ليست متعلقة بقضية احترام الصغير للكبير فقط, على الرغم من أهمية هذه النقطة, وإنما في أن الأديغاغه هي مفهوم أعمق و أوسع بكثير من مجرد تحديد و تنظيم العلاقات الحياتية اليومية و التصرفات العامة. 

التحليل المعمق و البحث لشامل في منشأ و مفهوم منظومتي " الأديغاغه " و " الأديغه خابزه " هو عمل شاق و ليس بالسهل أبدا. و مع ذلك محاولة البدء فيه و قطع شوط و لو بالبسيط في هذا المضمار, حتى و لو ضمن حوار قصير, يمكن بوجهة نظرنا أن يحقق فائدة مرجوة في هذا الاتجاه. 

ضيفنا في حوار اليوم الكاتب و الشاعر, الروائي و المسرحي المعروف نالبي قويقوة. 

- السيد نالبي, يقال أن كل شئ يعرف بالمقارنة. فلنحاول أن نحدد لفرق بين منظومة " الأديغاغه و الأديغة خابزه " و بين الدين.

- الدين هو معرفة الرب. الرب خالد, و معرفته تختلف حسب العصر, التيارات, الأجيال و حتى الأفراد. أنا مارست دراسة الأديان, وقرأت الكثير من الكتب عن الديانات الوثنية, الإسلامية, المسيحية, البوذية وغيرها, و التي يظهر من خلالها كيف تتغير معرفة الله من قبل الإنسان من ديانة لأخرى. مثلا: ليس بالصدفة أن الكاتب الروسي المعروف ليف تولستوي كان يؤمن بالرب و لكنه لم يعترف بالكنيسة و قوانينها الأمر الذي أدى إلى تكفيره علنا من قبل الكنيسة الأرثوذوكسية. و ليس محض صدفة أن الكهنة يكرهون كل شخص يبحث و يفكر بقدرة الخالق ووجوده. يمكننا القول أن " الأديغاغه " و " الأديغه خابزه " هما معرفة علمانية تفسح للمرء المجال مناقشتهما و التشكيك في مصداقيتهما لتطويريهما حسب المرحلة الزمنية. ربما هذا ما يميزاهما عن الدين. 

- إذا أردنا أن نقارن بين " الأديغاغه " و " الأديغه خابزه " و الإيديولوجية؟

الإيديولوجية متغيرة أيضا. أية إيديولوجية تولد لتخدم مصالح طبقة معينة من المجتمع في وقت تاريخي محدد, باحثة عن حلول للمخاطر التي تهدد المجتمع. " الأديغاغه " و " الأديغه خابزه " منظومة نشأت و تطورت عبر آلاف السنين لخدمة كل طبقات المجتمع الشركسي. إنها المعرفة التي شكله و طورها شعب في عقله الباطن اعتمد في فلسفته على الإيمان بالخلود و أن الحياة بلا نهاية. فيتهيأ لنا أن حياة الإنسان التي يجب أن لا تنتهي بالموت, و إنما هناك استمرارية. لذلك أنا سميت الحياة في إحدى قصائدي بأنها من ذكريات الأبدية, و الإنسان هو جزء من هذه المنظومة و لذي يسعى بدوره للوصول إلى حدود الأبدية, إن صح التعبير بهذا الشكل عن الخلود. 

- من الملاحظ لمتتبعي التاريخ الشركسي, أن الشعب الشركسي على خلاف الشعوب الأخرى التي جاورته على المسرح التاريخي و الجغرافي, استطاع أن يعيش آلاف السنين. و لربما يعود الفضل في هذا إلى " الأديغاغه " و " الأديغه خابزه ". من جهة أخرى, نشاهد العلاقة بين تعمير الشراكسة كشعب, و نمط حياة أفراد هذا الشعب.

- صحيح, فمتطلبات " الأديغاغه " و " الأديغه خابزه " متكاملة لدرجة أنه لا يمكن لجيل واحد أن يدمر هذه المنظومة. و هنا يمكن تفسير رغبة الشعب الشركسي في الخلود. فرؤية الحياة هذه أعطت الشعب الشركسي عبر الأجيال المجال في أن يعيش في تناغم تام مع الطبيعة و أن يوصل معرفته و علاقته مع الحياة و الخلود إلى درجة الكمال. 

- من كلامك هذا يمكننا أن نصل إلى خلاصة مفادها أن الشعب الشركسي الذي أنشأ هذه المنظومة و سار على قوانينها مؤمنا بالحياة الخالدة, عمل على أن تكون الأرض التي يعيش عليها خالدة. هذا الأمر لربما يساعدنا في تفسير حقيقة تاريخية مفادها أن الشعب الشركسي في الوقت الذي جاور فيه دولة الإغريق و مدنها المزدهرة, فجأة تخلى عن الحياة المدنية و بناء المدن. المؤرخون وجدوا تفسير سهلا لهذه الظاهرة, و هو تخلف الشعب الشركسي و بدائيته التي لم تساعده على بناء الحياة المدنية, وهذا بدون شك غير صحيح. الشعب الشركسي, و بغض النظر عن عدم بناءه القلاع و المدن, استطاع و بنجاح أكبر من غيره من الشعوب أن يتصدى لاعتداءات الإمبراطوريات الوحشية مثل الحاخامات الخزرجية و التتر و غيرهم. حتى روسيا احتاجت 100 عام لتسيطر على القوقاز. إنما السر كان يكمن في ضرورة الحفاظ على الطبيعة كما هي, ففيها يكمن سر البقاء. فإذا عدنا لحديثنا, ما هي الأديغاغه؟ هل هي تناغم الإنسان الكامل مع الفضاء؟ أو كما سماه أحدهم الرب؟

- أكرر و أقول أن " الأديغاغه " و " الأديغه خابزه " ليستا دينا, ولا إيديولوجية أو قوانين حياتية على حدا. و إنما كل هذه المفاهيم و غيرها من القيم الأخلاقية ومن ضمنها العلاقات الاقتصادية و السياسية لها مكانها في منظومة الأديغاغه. إذا تكلمنا بشكل عام عن الديانات الكلاسيكية, فان الشراكسة عرفوا الوثنية, قسم منهم اعتنق المسيحية في القرون الأولى من العصر الحديث, و في القرن السابع عشر بدأ الإسلام يصل اليم عن طريق الدعاة و المبشرين و ومن ثم ساد كديانة أساسية. كل هذه الديانات كانت تستخدم لتطبيق طقوس و ليس كفلسفة حياة. 

- ما لفرق بين الأديغاغه و مفهوم " الإنسانية "؟ فالكثير من الشراكسة أنفسهم لا يفرقون بين هذين المصطلحين.

- قبل الإجابة على هذا السؤال من الأفضل أن نحدد ما هي " الأديغاغه " و ما هي " الأديغه خابزه ". انهنا في الحقيقة مفهومان مرتبطان ارتباطا وثيقا. الأديغاغه هي الاستعداد و المعنوية العالية لتطبيق قواعد الأديغه خابزه. بدورها الأديغه خابزه هي خلاصة أخلاقية من أمثلة محددة ضمن منظومة شاملة تحدد كيف على الإنسان الشركسي أن يتصرف في حالة أو أخر. 

في الأديغاغه تتلخص كل الأساسيات التي تدخل تحت مفهوم الانسانية, اضافة إلى كل القواعد و الأنظمة التي أبدها شعبنا انطلاقا من سيكولجيته القومية. عندما تفكر في كمالية قواعد الأديغاغه, تتطرق اليك لا شعوريا فكرة و هي أن الشعب الشركسي سبق الشعوب الأخرى في هذا المضمار. مع أنه لا بد من الاشارة إلى أن الشوب المختلفة قطعت بدورها أشواطا في مجالات أخرى كالفنون الآداب و الفلسفة و العمران و ألخ. و يبدو أن أجدادنا لم يقوموا بتصدير أو فرض هذه المنظومة الأخلاقية الراقية على الشعوب الأخرى.

- تحدثت المراجع التاريخية الروسية, الايطالية, الفرنسية, الانكليزية و غيرها عن الاتيكيت الشركسي. و على ما يبدو بالفعل كما ذكرتم, لم يكن هناك أ تصدير أو فرض من قبل الشراكسة لهذا الاتيكيت على الشعوب الأخرى. مع أنه توجد واقعة تاريخية مرتبطة بمن كانوا يعرفون بالنيكراسوفيين ( نيكراسوف ) و هم من قوزاق الدون الذين انتقلوا بعد هزيمة القوزاق أمام جيوش القيصر بيوتر الأول و التجأوا إلى الشراكسة للحماية. و عن هذه العائلة التي عاشت على مدى أربعة أجيال و سط الشعب الشركسي, حتى أن قسم منهم هاجر إلى تركيا في نهاية الحرب الروسية – القفقاسية, كتبت المراجع الروسية عنهم مايلي: " النيكراسوفي في لباسه الشركسي, و عتاده الكامل لا يمكنه أن يقوم و لا بأي خطأ صغير قد يخل بالقواعد المعتمدة عند الشراكسة بالفطرة. انهم و بكل شرف و كبرياء كانوا ملتزمين بقواعد الورق خابزه". و مثال آخر عن الأرمن الشراكسة أو أديغه غاي, فنجد أنه كانت متداولة في الشارع الشركسي عبارة تقول: " اذا أردت أن تسمع اللغة الشركسية في كامل جماليتها, فاستمع إلى الأديغه غاي ". هل هذا التصدير كان ضمن المجتمع الشركسي حصرا؟ و أن الأديغه خابزه جاءت في الدرجة الأولى للشركسي نفسه كي يستطيع أن يعيش في تناغم مع الشعوب الأخرى؟

- يمكنني أن أصيغ الفكرة بشكل آخر. شعب يملك منظومة كهذه تتطلب شروط وواجبات صعبة التطبيق, بامكانه أن يعيش بتناغم مع أي شعب آخر, و يمكنه أن يعطي و يأخذ من الشعوب الأخرى. ولكن التاريخ يظهر لنا أن الأمر كان مغايرا تماما, و أن هناك قوى سعت دائما للاعتداء على على أساسياتنا المقدسة. حتى و لو لم يقم أجدادنا بتصدير فلسفتنا إلى الشعوب الأخرى, فان مجرد وجود هذه المنظومة كان يجلب الاستياء و الضيق للكثيرين. 

فلنأخذ على سبيل المثال المأساة التي جرت في مصر بحق الشراكسة, و المعروفة بمذبحة القلعة. كما نعلم فقد حكم السلاطين الشراكسة هناك أكثر من قرنين من الزمان, وكان عصر ازدهار و حضارة و نهوض عمراني و ثقافي لم تشهده البلاد في العصر الحديث. 

هؤلاء السلاطين لم يفرضوا قواعد و قوانين الأديغاغه, و لكنهم لا شعوريا تقيدوا خلال أعمالهم و حياتهم بشكل عام بالتربية و النظرة الحياتية الشركسية و التي انتقلت اليهم فطريا, لربما صبغيا إن جاز التعبير. و انتهى كل شئ كما نعلم, عندما قام الأتراك المنتصرون بدعوة بقايا المماليك الشراكسة في مصر إلى حفل في القلعة و أبادوهم جميعا تقريبا. بعد ذلك أصدر السلطان العثماني مرسوما يقضي بإعدام كل شركسي بغض النظر عن عمره أو جنسه. هذه التراجيدي تدفعنا إلى التفكير بعمق بأمور كثيرة.

- هناك من يدعو إلى عدم جدوى تطوير ثقافتنا القومية, و أنه علينا أن نعيش ضمن منظمة القيم الانسانية العامة الحديثة؟ هل يمكننا البقاء كشعب دون أن نتطور ضمن الروح القومية؟ و هل يمكن أن نجد مكانا كشعب في المنظومة الانسانية المعاصرة؟

- أنا كنت دائما مؤمنا بأنه لا يوجد أهم من تطوير الخصائص القومية. اذا استطاع شعب الحفاظ على ما أعطي له من الطبيعة و الله و تطويره, فانه ومنظومته لابد و أن يكونا عضوان فاعلان و مؤثران في المنظومة الانسانية المعاصرة. فالانسانية هي مجموعة من من مئات الشعوب المختلفة, و برأي من الخطأ اجبار هذه الشعوب على أن تعيش سوية, مطالبينها أن تؤسس منظومة قانونية أخلاقية واحدة. انما على الشعوب أن يساعد أدها الآخر, و تستفيد من تجارب بعضها الآخر لتتطور. 

- ليس سرا أن الشعب الشركسي يعيش أزمة قومية شاملة تهدد بقاءه كأمة. هنا سؤال يطرح نفسه: لماذا نسير اليوم كشعب على طريق الانقراض؟

الشباب هم المستقبل, و الشباب للأسف الشديد لم ينشأ و يتربى في روح " الأديغاغه " و " الأديغه خابزه ". هذا بدوره يحدث بسبب أن الناس أصبحت كالحيوانات. فالإنسان اليوم يفكر بالدرجة الأولى في تحصيل لقمة الخبز, و السعي للوصول إلى قمم الأخلاق الحميدة أصبح أمرا ثانويا جدا في الحياة العصرية. فالأب ليس لديه الوقت الكافي لتربية أطفاله. بالإضافة إلى أنه أصبح لا يفكر بناء على أية قواعد أخلاقية عليه أن يربي أطفاله. فكيف ستربي أطفالك في هذه الظروف الحياتية الصعبة, تحافظ على الأسس الأخلاقية السامية التي تميزنا كشعب شركسي؟ 

- كما هو معروف اللغة إحدى أساسيات الثقافة القومية. اللغة الشركسية اليوم تعيش أسوأ أيامها. كيف سنجعل أطفالنا يتكلمون بالشركسية؟ كيف سنعلمهم اللغة التي نفقدها بسرعة هائلة؟ في معظم العائلات الشركسية أصبح الأطفال لا يفقهون كلمة باللغة الشركسية في الوقت الذي يعرفون فيه اللغة الإنكليزية و غيرها؟

- كان عند المرحوم السيد ادريس شابسوغ خطة لاجبار الأطفال لى التكلم بالشركسية, و قد كتب عن هذا الموضوع في كتاب صدر مؤخرا بعنوان " دروب الشراكسة " للكاتب أصفر قويقوه. ينصح السيد ادريس الأهالي [انه اذا طلب منهم أطفالهم أي طلب مهما كان, أن لا ينفذوه لهم مالم يطلبوه بالشركسية. هذا أحد الحلول العملية. 

- و لكن حسب معلماتي فان أولاد لمرحوم ادريس شابسوغ لا يعرفون الشركسية بشكل جيد, أما أحفاده فلا يفقهونها أبدا. أليس هناك تناقض في هذا الطرح؟ أعتقد تنمية الوعي القومي لدى الأهالي حول أمية معرفة اللغة الأم كحجرة أساس في الحفاظ على الثقافة الشركسية من الانقراض. من هذه النقطة أريد أن أنتقل إلى موضوع يتعلق بالثقافة الشركسية. يوجد رأي يقول: أن الفلكلور الشركسي بمستواه لم يستطع الأدب الشركسي الحديث أن يتجاوزه أو حتى أن ينافسه. هل توافقونني الرأي؟ أنا أطرح هذه الفكرة لصياغة سؤال متمم: هل هذا لأن الأدباء الشراكسة حاولوا من خلال أعمالهم أن لا يستخدموا مفهوم الأديغاغه؟

- أذكر أنه قبل أعوام طويلة, وبطلب من أكاديمية العلوم الجورجية, قمت بترجمة بعض القصص و الملاحم الشركسية ومن ضمنها قصة " تشتشانقوة تشتشان " المعروفة في تراثنا الشركسي. و عندما حصلوا في تبليسي على هذه الترجمات بدأوا بالمراهنة و التشكيك. فهم لم يصدقوا أن هذه القصص هي ملاحم تراثية و ليست أعمالا أدبية. 

مثل هذه الأعمال المئات في الفلكلور الشركسي. ولكن عملية مقارنة الأدب بالفلكلور. من وجهة نظري, هي غير صحيحة. فهناك فرق كبير في تصوير البطل في الملاحم الشعبية وبين البطل في الأدب. لأن الأدب يتأخر دائما عن الفلكلور و ليست هناك نتاجات أدبية حديثة يمكن أن تنافس روعة و بدعة الملاح النارتية الشركسي. الفلكلور هو نتاج شعب بأكمله على مدى آلاف السنين, أما أدبنا الشركسي الحديث فانه ولد عقب 1917 و تتطور تحت ضغط أيديولوجي قاس, معتمدا على مخطط جاهز مبني على أساس الأدب الروسي العصر السوفيتي. فكيف يمكننا الحديث عن أعمال و ابداعات أدبية شركسية حديثة؟ 

- مع ذلك نرى أن بعض الأدبيات الشركسية الحديثة قد تطرقت أو استدم الفلكلور الشركسي كمادة. عل سبيل المثال مؤلفات الكاتب الشركسي تيمبوت كيراشيف نجد أنها تحتوي على الكثيرمن " الأديغاغه " ن صح التعبير, لهذا أنا تطرقت لموضوع الأديغاغه و الأدب للدور الكبير الذي يلعبه الأدب في الثقاففة و التوعية القومية.

- عندما تشكك في أحد الكتاب تتهمه في الابتعاد عن استخدام الأديغاغه في مادت الأدبية, هنا يجب أن نقول بصراحة أن كل الكتاب الشراكسة الحديثين و أنا من ينهم, لم نعد نعيش منذ زمن بعيد على أسس الأديغاغه. و عندما نحاول في كتاباتنا أن نرسم شخصية الانسان الشركسي, نجد أنه انسان لا يختلف عن أي شخص آخر ينتمي إلى أية قومية أخرى. مع علمنا أن مثلي القوميات الأخرى تختلف نظرتهم إلى الحياة, كما تختلف تصرفاتهم و مواقفه من المسائل المختلة بناءا على البنية السيكولوجية الخاصة بهم. في الحقيقة نحن أضعنا شخصية الشركسي الحقيقي و أصبحنا لا نملك القدرة على رسمها.

أنا كل سنة أعيد قراءة القصص و الحكايات الشركسية القديمة. و أفعل ذلك لأسباب كثيرة, منها ايجاد فصول مجهولة من عالم الأديغاغه. كذلك لكي أطور كتابتي باللغة الشركسية. و لكن للأسف الشديد هناك كمية قليلة جدا من الكتب و المراجع و الدراسات العلمية الجدية في مجاي الأديغاغه و الأديغه خابزه. هذه المراجع نحن بأشد الحاجة اليها في وقتنا الحالي بالدرجة الأولى لنا كطبقة مثقفة و بدرجة كبيرة لجيل الشباب مستقبل الأمة الشركسية. 

- شكرا سيد نالبي على هذا اللقاء

أجرى الحوار زاور شوج

أجداد الأديغة ( الميوت – الزيخ )


الفترة من بداية الالفية الأولى قبل الميلاد حتى القرن الثالث الميلادي

الميوت :

في الألفية الاولى قبل الميلاد, كانت كل الشعوب التي تسكن شواطئ الميوتيد ( بحر آزوف ) والقفقاس الشمالي والسهول الشمالية المتاخمة لها متقاربة. 

هذه الشعوب هي: (سيند – زيخ – بسيس – داندار – دوسخ – توريات – ابيدياكين – ارياخ – آخي – موسخ – سيتاكين – تاربيت –فاتيه), وكانت حسب المدونات التاريخية الإغريقية و مدونات روما القديمة تجمع تحت اسم الميوت. 

كان الميوت صناع مهرة, بينهم الحدادين والحجارين والخزفيين والحذائين وعمال ميناء وصائغين. وكان ممثلو كل حرفة يشكلون طبقة عشائرية, ولم يكن مسموحا لأي شخص أن يتعدى على مهنة أخرى. 

كان للميوت نظام العبادة والايمان الخاص بهم, كانوا يألهون قوى الطبيعة والظواهر الطبيعية كإله نور الشمس والنار وإله المطر والعواصف الرعدية وإله الغابة وإله البحر وغيرها من الآلهة. وكانوا يقدمون القرابين لها مترافقة بطقوس صعبة. فقد انتشرت عندهم طقوس سحرية مختلفة مارسها زعماء القبائل. تمثلت طقوسهم باستخدام ألفاظ وتعويذات خاصة وتحضير العقاقير السحرية. 

رئيس القبيلة كان الأكثر حنكة في أمور ومدارك السحر, ينغمس فيها لدرجة أنه يرى أحداث الماضي والحاضر والمستقبل, ويخاطب أرواح المتوفين من أقاربه, ويخاطب كذلك الآلهة ويسألهم المعونة والنصح في بعض الأمور حسب معتقدات الميوت. كل ذلك يترافق بصيام واعتزال أو بالعكس يترافق مع تناول الكثير من الطعام والمشروبات المسكرة. 

أما مدافن عظماء الميوت فتتميز بتعقيدات كبيرة وتخضع لتصنيف حجمي. 

تتجسد آلهة الميوت بالظواهر الطبيعية والعفوية: آلهة السماء, الأرض, الشمس, النار, الهواء, وبالمفاهيم المجردة: حسن الضيافة, الشرف, الاخلاص لعادات الأسلاف, الاخلاص للقسم وهكذا.... كما كانت هناك آلهة نصيرة لكل حرفة. 

إن تقديس واحترام الأقارب المتوفين والطقوس الجنائزية أمور هامة جدا بالنسبة للميوت. كانوا يضعون جسد المتوفي بشكل ملتوي في حفرة ويضعون معه الأدوات التي قد يحتاجها في العالم الآخر بالاضافة الى الهدايا الجنائزية المقدمة من أقارب المتوفي وأهالي قريته كالأوعية والأسلحة واللباس وأدوات الزينة. فوق القبر يضعون تلة من الرمل (كورغان). 

وتقام حول القبر الطقوس الجنائزية وتمتد من عدة أسابيع حتى عدة أشهر حسب أهمية الشخص المتوفي. حيث كان يشكل الميوت حلقات دائرية حول القبر وينشدون الأغاني الجنائزية المترافقة مع بكاء وضجة كبرى لطرد الأرواح الشريرة, ولهذه الغاية كانوا يقلدون كل الحيوانات المفترسة حول القبر. 

الآلهة الرئيسي لدى الميوت كانت آلهة الشمس, النار, الضوء, الدفء. كانوا يعتبرون هذه الأمور الأربعة متساوية بأهميتها وأانها مصدر الحياة على الأرض و يعبدونها. 

وكانوا كشعوب حضارة شمال القفقاس يدهنون جسد المتوفي بدهان أحمر (قهرة) الذي يرمز الى النار .

عاش الميوت في الجبال على تخوم القفقاس أسسوا حياة حضارية اشتغلوا بشكل خاص بتربية الماشية وصيد الأسماك الذي استخدموا فيه شبكات الصيد الكبيرة والخطافات. 

السارامات :

في الألف الأول قبل الميلاد تسلل اتحاد قبائل رحل يتكلمون اللغة الايرانية من الشواطئ الشمالية لبحر قزوين الى سهول الكوبان, هذه القبائل كانت تدعى السارامات. وكانت الصدامات الداخلية فيما بينها مستمرة من أجل السلطة على هذا الاتحاد, مما أدى الى تقسيم السارامات الى مجموعات متخاصمة متعادية. من أشهر هذه المجموعات: آورس – سيراك – ألان – راكسولان – يازيغ. حدث الاستيطان الأكبر للسارامات في هذه المنطقة في القرن الرابع الميلادي, و حسب شهادة المؤرخ (سترابون ): ان الآوروس يقطنون على طول مجرى نهر تانايس, و السيراك على مجرى نهر أخارديا (الكوبان) الذي ينبع من جبال القوقاز ويصب في بحر الميوتيد (آزوف). ويؤكد سترابون أن الآوروس كانوا يمتلكون مساحات شاسعة ويسيطرون على القسم الأكبر من بحر قزوين. 

تفوق السارامات على الشعوب الكثيرة التي كانت تحت سيطرتهم عدة وعتادا بأسلحتهم وبتفوقهم بالقتال. كانوا فرسانا مهرة واضافة الى الأسلحة التقليدية كالقوس والنشاب كانوا يمتلكون الحراب و السيوف الطويلة والدروع الثقيلة.

ان وجود جيران محاربين خطرين كالسارامات أدى الى تكاتف الميوت, والى ظهور مجموعة قوانين وعادات تشمل كافة الأمور الحياتية والمعيشية, كما ظهرت طبقة المحاربين وقاداتهم. ان السيوف والتروس والرماح التي كان يصنعها حرفيو الميوت كانت أكثر صلابة من تلك التي يصنعها السارامات, ومدى نبالهم أكثر بعدة مرات من مدى نبال السارامات الرحل. كانوا يمتلكون كذلك الدبلوماسية, فكل قادم اليهم بقصد السلم كان يقابل بالطعام والهدايا السخية وكامل التشريفات الممكنة, وأي زائر كان يعادل وحتى يضاهي مواطنيهم ويؤمن له المأوى المناسب. 

أما من كان يقصدهم عدوا, فكان يلقى مقاومة شرسة حتى لو كان هذا العدو يفوقهم عددا وعتادا ولم يستطع الميوت مقاومته مباشرة, كانوا يقومون بذلك لاحقا. 

الثأر عندهم ينطلق من مبدأ الدم بالدم, الموت يقابله الموت, والعاهة باحداث عاهة في العدو, وكذلك الأسر بالأسر.

كان الثأر الأشد ضراوة يتمثل بالثأر ممن يتجرأ على تدنيس النصب المقدسة للأجداد وقبورهم وكل ما يتعلق بهم. عقاب ذلك هو الموت ثم يقطع رأس الجثة و تُحرق. وفي حال وفاة الميوت قبل أن ينتقم, فعلى أقاربه القيام بذلك, اعتقادا منهم أن الميوت لايمكنه الدخول الى مملكة الأموات طالما أن عدوه حي يرزق, وكان هذا واجبا على كل أقاربه دون استثناء, حيث أن دخول المتوفي إلى عالم الأموات كان الشرط الأساسي ضمن طقوس الدفن. 

العلاقات المتبادلة بين الميوت و السارامات:

كان للدبلوماسية الحربية الميوتية نتائج محددة, في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد حُجزَ الميوت من قبل السارامات الرُحل, و نسبيا كانت هناك علاقات ودية بين الآريال والسيراك. وعلى مدى ثلاثة قرون حصل تبادل ثقافي بين الميوت والسارامات, اضافة الى الزيجات المتبادلة التي يفسرها التعايش السلمي بين هذه القبائل لفترة طويلة, كذلك عدم التوافق المستمر بين السارامات الرحل أنفسهم هو الذي أفاد الميوت جدا.

في الأعوام التالية تأثر الميوت كثيرا بالسارامات, وفي النصف الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد كانت المعدات والأسلحة وادوات الزينة الساراماتية تستخدم بشكل واضح من قبل الميوت, كما تغيرت طقوسهم الجنائزية, ولكن عقيدة الميوت ظلت كما كانت رغم أنها أخذت الكثير من العبادة الساراماتية دون ان تحل محلها او تعارضها, حيث كان الميوت يطبقونها كمعلومات اضافية جاءتهم من أناس قدموا من البعيد. وتدريجيا اندمج الكثير من السيراك مع الميوت منتقلين الى حضارتهم ومتعايشين معهم. 

وادى تعايش أعداد كثيرة من السيراك مع الميوت الى تغير طباع الميوت وتفكك علاقاتهم القبلية وتعمقت التمايزات الحياتية.

ومع ازدياد خطر تدخل الآلانيين أخذ الميوت مع السارامات المندمجين معهم بالانتقال من القرى الى المدن المحصنة وذلك في المنطقة الواقعة على الضفاف اليسرى لنهر الكوبان. 

السيند :

يشكل السيند احدى أكبر قبائل الميوت الذين قطنوا شبه جزيرة تومانسك وشواطئ البحر الأسود الشمالية الشرقية منذ بداية الألفية الأولى قبل الميلاد. ومع بداية القرن الخامس قبل الميلاد أنشأ السيند دولتهم (سينديك) التي حكمتها سلالة ملكية سيندية, وكانت عاصمتها مدينة سينديك (مدينة أنابا الحالية), وقد سماها اليونانيون القدماء بميناء سينديك. وكأغلب الميوت مارس السيند الفلاحة وتربية المواشي وصيد الأسماك, وكان نظام الرق هو السائد فيها.

وفي العام 480 قبل الميلاد توحدت المستعمرات اليونانية المتوضعة على شواطئ مضيق كيرجينسك تحت لواء دولة واحدة, سُميت بمملكة البوسبور وأصبحت عاصمتها بانيتكاب. نشطت التجارة بين السيند ومدن البوسبور وانتشر الباعة اليونانيون في أسواق وشوارع السيند وكانوا يتاجرون بالخبز والحبوب والخضر والحليب ويشترون العبيد بالمقابل. وكما في المدن اليونانية, فقد انتشرت المدرجات أعلى بيوت السيند وكانت تقام فيها العروض المسرحية والمصارعات الرومانية القديمة. 

قام اليونانيون بتصدير الملح والخمر والأقمشة الى سينديكا, واقبس السيند الكثير من عادات اليونانيين ونمط لياسهم وأسلحتهم وطرق البناء لديهم وتعلموا منهم فن التصوير والنحت. بنفس الوقت تولدت لدى حكام البوسبور فكرة احتلال السينديك وتحويلها الى مستعمرة يونانية, لكن كل المكائدو محاولات الرشوة لم توصلهم للنتيجة المطلوبة . وفي عام 479 قبل الميلاد لجأ البوسبور الى الاعتداء المباشر على سينديك, وحسب شهادة المعاصرين وصل الى مرفأ السيند اسطول حربي جبار في فجر أحد الأيام, وتأهب سكان السيند استعدادا للمعركة على مشارف المدينة, وأسرع سكان القرى المحيطة باللجوء الى المدينة مغلقين بواباتها ورائهم باحكام. لعب الجواسيس اليونانيين المتخفين في المدينة بالزي السيندي دورهم المتفق عليه مسبقا مع جنود الفرقة الخاصة اليونانية, وتحركوا نحو البوابات الشرقية, انقضوا على حراسها وقتلوهم, وتوغل اليونانيون داخل المدينة المدينة منتصف النهار واحتلوها بشكل كامل بعد تكبدهم خسائر فادحة. حاولت لاحقا الفصائل السيندية الضخمة المعززة بغيرها من الميوت تحرير مدينة سينديكا من اليونايين وجرت معارك كثيرة أدت الى تدمير المدينة, وشيد اليونانيون مستعمرتهم مكانها وسموها غورغيبا. 

مع سقوط سينديكا أخذ الميوت بالتراص مع قبائل الزيخ الميوتية القاطنة على ضفاف البحر الأسود شرق السينديين. كان الزيخ ينادونهم باليونانيين, ولكن في المؤلفات البوسبورية كانت ترد كلمة (أدزاها), وأغلب الظن أنها تطابق الكلمة الأديغية (أدزاخ) أي الجيش أو القوات المسلحة, ومن الممكن أن تكون هي الكلمة التي تحولت مع الزمن الى (أديغة).

في رواية اخرى, تسمية أديغة مرتبطة بانتشار عبادة الشمس, حيث ان لها لفظا مشابها جدا الى الكلمة الأديغية القديمة (أ – ديغة) – شعب الشمس.

في المصادر الايطالية واليونانية تسمية الزيخ كانت تطلق على الأديغة حتى القرن الخامس عشر. يقول المؤلف الايطالي انتريانو الذي كتب عن الأديغة مقالات كثيرة: (بالايطالية واليونانية واللاتينية يسمونهم زيخ, أما الأتراك والتتار فيطلقون عليهم شراكسة, وهم يسمون أنفسهم أديغة). 

استمرت الحروب الدامية بين الميوت و اليونانيين لعدة سنوات حتى عام 438 قبل الميلاد, وكان الميوت يهجمون باستمرار على مدن البوسبور بدعم من الزيخ. .في عام 438 قبل الميلاد تولى سبارتوكوس ذو الأصول الميوتية ومؤسس سلالة سبارتاكيد الملكية حكم البوسبور, ومع وصوله للسلطة تتوقف الحروب بين الزيخ و اليونانيين, ولكن تكتل الميوت مع الزيخ سيستمر لسنوات لاحقة.

توطدت العلاقات التجارية بين البوسبور والميوت, حيث كان الميوت المورد الأساسي للخبز لمدن مملكة البوسبور ومدن يونانية أخرى بما فيها اثينا.حصل الميوت على جملة من المكاسب المادية والروحية من الثقافة اليونانية القديمة, وتحت تأثير اليونانيين انتشرت بين الميوت مهنة الخزف وصناعة المجوهرات والدروع الحربية, وبنفس الوقت اقتبس البوسبوريون من الميوت أنواع كثيرة من الأسلحة وتكتيك المعارك وتفصيل الملابس الملائمة للظروف المحلية. 

الزيخ :

في القرن الثاني رغب ملك الزيخ ستاخيمفاك أن يرسخ مواقف الزيخ من القبائل المحيطة مدعيا نفسه تابعا للامبراطورية الرومانية. وكغيرهم من حكام دول أخرى أخذ ملوك الزيخ باقتناء الحريم, حيث كان يصل عددهم للمئات ويتم جلبهن من بلدان مختلفة.

مع مرور الوقت أخذ الزيخ يضمون تحت لوائهم أعدادا كبيرة من قبائل الميوت, مشكلين اتحادا حربيا كان العمود الفقري ضد الغزاة.وكما باقي الميوت عمل الزيخ بتربية المواشي والفلاحة وصيد الأسماك, كما انتشرت لديهم زراعة الكروم.

تمركز القسم الأكبر من السكان في المدن الكبرى المسوّرة بمتاريس من كافة جوانبها, كما استمر بناء بيوت جديدة خارج الأسوار وتحاط بعد ذلك بأسوار دفاعية. أما في القرى الصغيرة فقد كانت المنازل تتوضع بشكل دائري ويبنى حولها حائطا دفاعيا. تطورت الملاحة البحرية عند الزيخ, في البداية كانت تصنع المراكب البدائية – كالزوارق الصغيرة ثم استفادوا من الخبرات الكبيرة لدى البوسبوريين في مجال الملاحة البحرية. كان الزيخ يزينون محاكمهم بتجسيدات لآلهة البحر خاتخا, الذي يحمل بيده صولجان ثلاثي الرأس وله ذنب سمكة بدلا من الأرجل.

كانت مراكب الزيح تتحرك على شكل مجموعات مؤلفة من عدة مراكب على طول الشواطئ الشمالية الغربية للبحر الأسود, مستخدمين استراتيجيات حربية متنوعة تمكنهم من الايقاع بأية سفينة غريبة, حيث كانت تحيط بها عدة سفن بشكل مفاجئ وتقترب منها من جميع الجهات. لم ينحصر تأثير اليونان القديمة بزراعة الكروم والملاحة البحرية والخزف فقط, فقد انتشر نظام الرق في مناطق الزيخ, الذين كانوا يحصلون عليهم عن طريق القرصنة ويبيعونهم في أسواق مدن البوسبور. 

في القرن الأول قبل الميلاد كان الزيخ يعتمدون على مساندة مملكة البونتسيك, وكثرة الغزوات على الجيران أدت الى كثرة الذهب والمجوهرات الثمينة لدى الزيخ, كان الذهب وفيرا لدرجة أنه كان أرخص من البرونز والفولاذ وغيرها من المعادن الصلبة التي كانت تستخدم لصناعة الأدوات الحربية والعمل.